جلال الدين الرومي شاعرالحب والتسامح والسلام

خصصت منظمة اليونيسكو – كما هو معروف – عام 2007 عاما دوليا للاحتفال بالمئوية الثامنة لميلاد جلال الدين الرومي، تقديرا منها لمساهماته الثقافية، ومكانته العالمية شعبيا وأكاديميا، باعتباره شاعرا يخاطب البشرية جمعاء، وتحمل أشعاره رسائل حب إلى كافة الشعوب والأديان.

وقد دشنت اليونيسكو هذه المناسبة بإقامة ندوة حول شعر الرومي وفكره الإنساني دامت يوما كاملا بمقرها في باريس، إلى جانب إقامة معرض للكتب التي تناولت حياته وأعماله، وعلى مدار العام الحالي الذي يشارف على الانتهاء، أقيمت أيضا ندوات ومؤتمرات كثيرة في أكثر من 35 مدينة، في عواصم شرقية وغربية كثيرة، قدمت بها محاضرات وحفلات موسيقية وقراءات مختارة في مؤلفات الرومي الشعرية والنثرية.

كما أقيمت في تركيا حفلات كثيرة شارك بها أتباع طريقة الرومي الصوفية، في حلقات كبيرة لرقصة السماح المعروفة بطقوسها ومسلماتها في بعض الدول العربية، نظمت معها برامج موسيقية قدمت أهمّ معزوفات طريقته وقصائده الغنائية، بمقاطعها ومكوناتها الصوتية الطويلة المتناغمة مع تحرك الأجساد الراقصة بحلقات دائرية متماثلة.
 
وقد توجت الاحتفالات في شهر أكتوبر الماضي بندوة عقدت في إيران، شارك بها 81 باحثا من 26 دولة، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والسويد ومصر وتركيا وتونس، عرضوا على مدى يومين بحوثا تتصل بجوانب متنوعة من حياة الرومي وتأثيره في الثقافة العالمية.

من نافل القول أنَّ الرومي قد انقطع طيلة حياته للتصوف، وإليه تنسب الطريقة الصوفية المعروفة باسم "المولوية"، وعرف نفسه من خلالها بانتمائه للإنسانية جمعاء بقوله : "أنا لست من الشرق ولا من الغرب"، "ولا أميز ما بين القريب والغريب".

 ويعتبر الرومي أحد أعلام الشعر الصوفي، يقبل عليه القراء من مختلف الثقافات، لأنَّ تساؤلاته المعروفة التي طرحها بأسلوب شعري حول الوجود،خاصة سؤاله الكبير: "لا أعرف من أين جئت ولا أعرف ما يجب أن أفعل" تعبر عن مشاعر كل الناس في أي مكان وزمان، ولا يتصل بثقافة معينة أو بشعب محدد. ويقول في هذا الشأن الشاعر الأمريكي دبليو اس ميروين، أن "شعر الرومي يستوعب وحدة الوجود في معناها الأعم والأشمل عبر شعر وجداني تأملي دائم التحليق في آفاق العالم الروحاني، لا يكاد يلامس الحياة المادية إلا ليبين تفاهتها إذا ما قيست بحياة الروح".

 وهكذا ينزع الرومي في شعره نحو التعبير الوجداني، وتقديس القيم الإنسانية، والاهتمام بالغزل والمرأة، وكسر الحواجز الدينية والثقافية، وثمة إجماع على أنَّ شعره إنساني يمجد فيه الإنسان ومقامه الكبير في الحياة، ويصور به حياة إنسانية مثالية مبنية على المحبة، ولهذا تتمحور كل مآثره الشعرية والفكرية على الحب الذي يعتبره أساس الوجود الإنساني، به توحد الأديان والشعوب، لأن العاشق الحقيقي في نظره لا يكون صادقا ما لم ينفتح على كل البشر والمعتقدات.

من أشهر أعماله الشعرية "المثنوي" وقد نظمه في ما يقرب من ثلاثين ألف بيت من الشعر من أجمل أناشيد الحب الخالدة، وديوان "شمس تبريز" وهو يحتوي على أربعين ألف بيت شعر، استوحاها من صداقته لشمس الدين التبريزي الملقب بشمس المغربي، بالإضافة أيضا إلى 1760رباعية شعرية.
 
 ويعتبر النقاد ديوان " المثنوي " من أروع كلاسيكيات الآداب القديمة، إن لم يكن أروعها جميعا، ومع أنّه كتب قبل مئات السنين، إلا أنَّ به أفكارا تتسق مع روح العصر، تقدم لإنسان اليوم، حلولا لما يصادفه من مشاكل مع نفسه ومع المجتمع في سعيه نحو التسامي فوق الصراعات العرقية والدينية والثقافية.
 
من قصائده "لا تذهبي وحدك" يقول فيها: "الأشواك نجت من النار بفضل الورد، أنت الورد، وأنا الشوك، فلا تدخلي الروض وحدك، قفي ! انظري! أنا أنتظر، لا تذهبي وحدك"، ومن شعره أيضا قصيدة بعنوان "شكوى الناي " يشكو بها آلام الفراق، حيث يقول : " اصغ كيف الناي يروي باشتياق، إنه يشكو تباريح الفراق، ضج مذ أبعدت عن غابي الحبيب، من أنيني كل إنسان أريب، هات لي قلبا تشظى في الفراق، كي له أعرض دنيا الاشتياق...... ليس صوت الناي ريحا بل لهب، عدم من فاته ذاك الشنب، فأنين الناي من لفح الغرام، والتهاب الكأس من وحي الهيام..".

عرف الرومي بإنشاده شعره وهو يرقص رقصته المولوية بالتكية بثياب سوداء، ينزعها أمام الحضور كدلالة على ترك كل متعلقات الحياة، ويظهر بعدها بثياب تحتها بيضاء، واسعة من أطرافها السفلية، تحمل لون الذات الهائمة بالتطهر، ويواصل الرقص بالدوران بسرعة كبيرة، يظهر بها وكأنه يطير فوق الأرض بملابسه الفضفاضة، وقبعته الطويلة، ويمثل برقصه هذا  -حسب فكره - شمعة تنصهر بالنار، لكي يضيء للآخرين من حوله حياتهم حتى آخر قطرة شمع ونور.

تم ترجمة شعر الرومي وأفكاره للغات عديدة في مختلف الدول، ويعود الفضل لتعريف الدول الغربية به للشاعر والأستاذ الجامعي الأمريكي كولمان باركس الذي انكب طيلة سبع سنوات على ترجمة أشعار العشق عند الرومي بما ينبض فيها من مشاعر وعواطف وموسيقى شعرية كثيفة، صاغها كشعر حر ونشرها عام 1995 في كتاب بعنوان: "الأساس في أدب الرومي: كتاب الحب".

وقد حظي هذا الكتاب بشعبية غير عادية، إذ بيع منه أكثر من 500 ألف نسخة، وهو نجاح كبير قلما يحظى به شاعر، ولهذا ثمة من يقول إنَّ الرومي أكثر شهرة في الوقت الحاضر من الشاعرين الأمريكيين والت وايتمان وروبرت فروست. 

وقد بين في هذا السياق ستيف هولغيت في مقالة ظهرت له في نشرة واشنطون المعروفة، بأنَّ الرومي من أكثر الشعراء شعبية في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يزداد الإقبال على دراسة أعماله في كل الجامعات الأمريكية، كما تنشر الأبواب الثقافية في الصحف الصادرة في المدن الأمريكية الكبرى مواعيد وأماكن قراءات أشعاره وإلقاء محاضرات عنه وعن أعماله.

وبالبحث على شبكة الانترنت، وجد ستيف هولغيت، أنّ كتابة اسم "رومي" ينتج عنها ظهور 800 موقع يرد اسمه عليها، كذلك بين في نفس المقالة السابق ذكرها أيضا قيام مجموعة من نجوم السينما والمطربين بتسجيل أشعار الرومي، وبخاصة المطربة مادونا، التي سجلت أشعاره وروجت لها للتذكير بأهمية الحب والمحبة بين البشر، وللتعريف باعتقاد الرومي الراسخ في الفائدة الروحية للموسيقي والرقص.

ومن المظاهر الأخرى لشهرة الرومي في العالم ما أظهرته بحوث (قدمت لمؤتمر دولي عقدته جامعة ميريلاند الأمريكية في شهر أيلول الماضي)، عن وجود أكثر من 28 موقعا إلكترونيا على موقع "ماي سبيس" وحده، تحمل مراجع حول أعماله، وعن توزيع أكثر من 2200 تسجيل فيديو عنه وعن مآثره الإنسانية. 

كل هذا يدل على أنَّ الإنسان المعاصر بأمس الحاجة للحصول على الإجابات اللازمة لأسئلة العصر المعقدة من نفحات قصائد الرومي التي تحمل في ثناياها جوهر التفاهم المشترك بين مختلف الثقافات والأديان، ودفقات وشائج المحبة ما بين البشر، وهذا ما عبر عنه الشاعر الألماني هانز ماينكي، بالقول: "شعر الرومي هو الأمل الوحيد في الأوقات المظلمة التي نعيش فيها".

 ويعني بها الأوقات الرمادية الحالية التي تتراجع فيها قيم التسامح في كثير من دول العالم، وتتصاعد وتائر التعصب والقمع الفكري، مع ما يتصل بها من إذكاء عوامل التفرقة دينيا وثقافيا وعرقيا، ولست هنا بصدد الحديث عن حال الدول العربية وما آلت إليه في هذا المجال، لأنّها معروفة للقاصي والداني، ولا تتواكب مع فكر ورؤى جلال الدين الرومي، ولهذا تتعاظم لديها الحاجة أكثر من غيرها إلى تصحيح الوعي المعرفي لديها بفهم نهضوي تنويري إنساني يتجاوز محن التعارض والصراع الحالية في كل المجالات الدينية والعرقية والثقافية، ويساعد على تثبيت دعائم التعايش الإنساني المبني على المحبة والتسامح والاحترام المتبادل.

وخلاصة القول لا بد من الاعتراف بأنَّ اليونيسكو قد أصابت لاحتفائها بجلال الدين الرومي، فقد وفقت في استحضار فكره ورؤاه وبناء شبكة منها ساهمت في استنباط مقاربات بين الثقافات، وقواسم مشتركة للحوار، رعتها طيلة العام الحالي في مختلف أرجاء العالم، بأساليب تتقاطع وتتمازج مع روح العصر، ويشكل إيقاعها خطابا ثقافيا وفكريا إنسانيا تضفي عليه لمسات الرومي الروحية والفكرية، بكل ما تنبض به من عواطف لتقريب المسافات بين البشر في الفكر والمشاعر والطموحات، وحتى في الهواجس المشتركة لصالح البشرية جمعاء.