حيفا تحلق في رحاب الذاكرة

حين أعود بذاكرتي إلى صفو الطفولة الأولى، ألتقي بالطفل الذي كنته أنا، أكثر ما أراه في حيفا...حين كنت صغيرا فيها كانت السماء أكثر زرقة متوجة بتصاوير الكواكب... وكانت الرمال الممتدة على الشاطئ، وأمواج البحر، وحتى زخات المطر، ولطمات عصف الرياح، ليست من صنوف ما لدينا الآن... كان التراب يستدرج الندى في الظهيرة في سهول الأقحوان وشقائق النعمان، وهاتيك الأتلام الممتدة في كل الجهات كانت أكثر فسحة لليمون والزيتون والرمان.

ألملم شملي، وأرجع إلى حيفا... تمتد أمامي، أسير في أزقتها على هدي قلبي، أرى فيها مع شمس الصباح آلاف الوجوه، وأسمع صدى حكايا قديمة، أوغل في أزقتها، آتي إلى شارع الناصرة، وعند تقاطعه مع طلعة الهدار على مقربة من تمثال فيصل يطل بيتي، أصله، وبشعور ملؤه الشوق والحزن أطوف حوله سبعا وأكثر... على مقربة منه ثمة أطفال، أتجه إليهم، أشاركهم بالوقوف أمام "صندوق العجائب"، أسمع كلمات صاحبه يتمتم بحكاياه المسلية، ألاحق حكيه عبر طاقة أمامية صغيرة تترامي فيها صورٌ ممزوجة ببقايا أساطير أزمنة غابرة.

أحببت مبكرا بالفطرة وطبيعة النشأة والعصر، حكايا صندوق العجائب، كنت أحس أنها تجسد كل الدنيا، تتقافز فيها الصور والمعاني وأخبار الحروب... يوما إثر يوم اكتشفت منه كنه التخيل الذي نتجاوز فيه فهم الواقع، كل شيء فيه دائم الإنشاء والتحول على إيقاع مؤثرات وجدانية تترسب في النفوس.

حكايا صندوق العجائب بإيقاعها وحلاوة سجعها، رسخت في نفسي رغم سنواتي الباكرة فرط عشق للحواديت الشعبية بتجلياتها التخيلية، وجعلتني مهيّأً لحب القراءة والتخيل والكتابة في مواضيع الإنشاء.

استعراض وقائع حياتي في أرض مولدي ومسارب التكون تحيي زاوية قابعة في أعماقي، تذكرني بأنني مدين أيضاً لحب التخيل والقراءة والكتابة إلى خال أمي الشيخ ديب عوض (أبو النجي) من سيلة الظهر، تعيدني عقارب الساعة إلى الوراء كثيرا وألقاه يجلس في ركن مهم من ذاكرتي... كان ذا لحية بيضاء، وعينين رقيقتين، طيب القلب، يرتدي دوما قنبازا مقلما بخطوط زرقاء نصف معوجة، يزور أسرتي في حيفا بين الحين والحين... كنت أقتات في الأماسي من حكاياه الطويلة عن بطولاته مع ابن قريته القائد أبي خالد في ثورة 36.

كانت حكاياه سلسلة متصلة من الأحداث، يمزج فيها الواقعي بالأسطوري على مدى مساحات واسعة، يسردها على إيقاع مؤثرات صوتية يخرجها بصوته الجهور، تعلو وتهبط مع تراقص يديه بحركات يلوح بها في الهواء بلا انتهاء... وفي أحيان كان يبكي بكاء حارا أكثر فأكثر بنشقات عالية كلما ذكر استشهاد أحد أصحابه الثوار، وكانت أمي تتابع أحاديثه باكية منتحبة حين يذكر قصة استشهاد ابن عمومتها من ذنابة قائد الثورة العام الراحل الكبير عبد الرحيم الحاج محمد أل سيف (أبو كمال) في مرج صانور.

أذكره وهو يربت على رأسي حين أشعر بالخوف من بعض تفاصيل حكاياه المؤثرة، كان يغير مجرى حديثه، ويمزج حكاياه بأشعار الأغاني الشعبية، يسافر فيها عبر الزمن تراثا وتاريخا، عبر كل القرى والمدن الفلسطينية، كنت أحسّ بها خشخشة أوراق الزيتون، وأسمع صدى أغاني النساء والرجال في مواسم الحصاد، وإيقاعات سحجة عالية تشكل خلفية رائعة.

حكايا الشيخ ديب كانت لي مرآة شديدة الصفاء، فتحت عيني على أرجوحة شبكية منسوجة من الحروف والأحبار الملونة... كنت أحاول تقليده كثيرا في صغري...

ذات يوم وكنت حينئذ بحدود التاسعة، طلبت مني أمي أن أقرأ لها في كتاب ديني... كانت أمية لا تعرف القراءة والكتابة... أصيبت بالدهشة لأنني كنت أقول لها ما كنت أختزنه من حكايا الشيخ ديب عن الثوار، كنت أضبط حديثي بصوت يهتز انفعالا بالنظر إلى صفحات الكتاب بكيفية سريعة متصاعدة... أتصفح الاوراق صفحة تلو أخرى، للتأكيد على أنني أقرأ منها... كانت أمي تضحك وتضحك وتقول لي غدا ستقرأ لي من الكتاب، "يكفيني اليوم تخيلاتك وحكايا خالي".

وأذكر في ذات يوم أنني خرجت مع أمي للتنزه، شبكت يدها بيدي الصغيرة، لأظل معها، لأنني كنت دوما أحث خطواتي لأتقدمها، أو أتلكأ لأغدو خلفها... سرنا معا صوب حديقة أشجار الخروب المترامية على أطراف الكرمل السفلية... جلسنا على مقعد خشبي ورحنا نثرثر، وعلى حين غفلة رأيت عن بعد قطار سكة الحديد خارجا من المحطة الرئيسية، متجها إلى الجنوب ... استمتعت بمنظره وهو يتلوى في مجراه على مقربة من الشاطئ تاركا خلفه حلقات طويلة من الدخان على امتداد الطريق... حدثت أمي بصوت عال بحواشي وصفية للقطار مفعمة بألوان صور ساذجة من التخيل عن سرعته وانزلاقه المتواصل فوق القضبان الحديدية.
امتلأ قلبي بفرح زائد حين ابتسمت أمي عند توقفي عن الحديث...

احتضنتني، وهمست بنبرة حنان زائد "أنت مثل خالي الشيخ ديب كثير حكي"... كاد يغمى علي من فرط الفرح لما قالته، شعرت بالرضا، ولا زلت أتذكر إحساسي بالرضا حتى الآن.

بعد عام واحد، تجاوزت محاولة فهم حكايا التخيل... دخلت مرحلة تلقي واقع الاغتراب والنفي، أجبرت على الهجرة في عام 1948، هاجرت تاركا حيفا ورائي، تحجرت أحلامي وتراكمت في نفسي حالة وجدانية مؤثرة من مآسي الهزيمة ترسخت في ظل غربة باكرة لصبي صغير.

مرارة الغربة ترُدني دوما إلى أيام مضت لا يطويها النسيان، أتحسس فيها وميض ضوء أراه يحبو على أمواج بحر حيفا... ينفضُ عن كاهلي عبء السنين، يعيدني ثانية إلى حيفا عبر حروف أكتبها نثرا وشعرا في جريدة الاتحاد، أمد بها خيطا من التواصل مع أيام مزهرة مضت في طفولتي الباكرة، تفاصيل صُورها في أرجاء مشاهد كثيرة لا زالت باقية في نفسي حتى الآن... لن تختفي ، ستبقى دائما جوهرا ثابتا للروح حتى آخر لحظة في الحياة. 

---------------------

*   المقال عبارة عن إجابة مطولة على سؤال تلقاه الكاتب من منير الشرقي محرر الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي المغربية حول مسارات الطفولة وشغفها بالمكان وبالتخيل والكتابة، وتم نشره في نفس الجريدة بتاريخ 17-8-2009.